فخر الدين الرازي

156

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شيء من هذه الوجوه ، بل يلزمه القطع بأن وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو الشقاوة ، ولكن فيه دقيقة أخرى وهي أنه ربما كان وجدان الدنيا الكثيرة سببا للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب ، فربما كان الحرمان سببا لبقاء السلامة ، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضا لمنكر البعث من جميع الوجوه أن يقضي على صاحب الدنيا بالسعادة ، وعلى فاقدها بالهوان ، فربما ينكشف له أن الحال بعد ذلك بالضد ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله : فَأَمَّا الْإِنْسانُ المراد منه شخصين معين أو الجنس ؟ الجواب : فيه قولان : الأول : أن المراد منه شخصين معين ، فروي عن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة ابن المغيرة ، وقال الكلبي : هو أبي بن خلف ، وقال مقاتل : نزلت في أمية بن خلف والقول الثاني : أن المراد من كان موصوفا بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء . السؤال الثاني : كيف سمي بسط الرزق وتقديره ابتلاء ؟ الجواب : لأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، فالحكمة فيهما واحدة ، ونحوه قوله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] . السؤال الثالث : لما قال : فَأَكْرَمَهُ فقد صحح أنه أكرمه . وأثبت ذلك ثم إنه لما حكى عنه أنه قال : رَبِّي أَكْرَمَنِ ذمه عليه فكيف الجمع بينهما ؟ والجواب : لأن كلمة الإنكار هي قوله : كَلَّا فلم لا يجوز أن يقال : إنها مختصة بقوله : رَبِّي أَهانَنِ سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معا ولكن فيه وجوه ثلاثة أحدها : أنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام الثاني : أن نعم اللّه تعالى كانت حاصلة قبل وجدان المال ، وهي نعمة سلامة البدن والعقل والدين ، فلما لم يعترف بالنعمة إلا عند وجدان المال ، علمنا أنه ليس غرضه من ذلك شكر نعمة اللّه ، بل التصلف بالدنيا والتكثر بالأموال والأولاد الثالث : أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على كونه منكرا للبعث ، فلا جرم استحق الذم على ما حكى اللّه تعالى ذلك ، فقال : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً * وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً إلى قوله : أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ [ الكهف : 35 - 37 ] . السؤال الرابع : لم قال في القسم الأول : إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وفي القسم الثاني : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فذكر الأول بالفاء والثاني بالواو ؟ والجواب : لأن رحمة اللّه سابقة على غضبه وابتلاءه بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام ، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم وقبله الثاني على ما قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل : 18 ] . السؤال الخامس : لما قال في القسم الأول : فَأَكْرَمَهُ . . . فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ يجب أن يقول في القسم الثاني : فأهانه فيقول : رَبِّي أَهانَنِ لكنه لم يقل ذلك والجواب : لأنه في قوله : أَكْرَمَنِ صادق وفي قوله : أَهانَنِ غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة ، وهذا جهل واعتقاد فاسد ، فكيف يحكي اللّه سبحانه ذلك عنه . السؤال السادس : ما معنى قوله : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ؟ الجواب : ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة ،